محمد باقر الملكي الميانجي

65

مناهج البيان في تفسير القرآن

بيان : شرع تعالى بذكر حادثة عظيمة في العالم ، لم تقع حادثة مثلها في الهول والوحشة ، بحسب ما بأيدينا من المدارك ؛ وهي طوفان نوح . أهلك اللّه - سبحانه - بها أمّة نوح . ومن العجيب أيضا ما صنع نوح النبيّ السّفينة الّتي نجّاه اللّه وقومه المؤمنين بها من الهلاك وهيّأها قبل الطّوفان بأمر اللّه - سبحانه . وهذه من الغيوب الّتي اصطفى اللّه تعالى نوحا بعلمها ، ولا طريق لأحد غيره من العلم بها والقيام بالعمل على طبقها . قال تعالى : « وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » . ( هود / 37 ) ؛ أي : لا تشفع لهم عندي ، ولا تعتذر لهم من ذنوبهم ، ولا تجادل عنهم . وهذه الحادثة الكبيرة عظة واعتبار لجميع من عقلها وعرفها وعلم موقعها إلى يوم القيامة . ويختصّ هذا الاتّعاظ والاعتبار بمن كان له اذن واعية وقلب سليم . وأمّا غيرهم ، فيمرّون بها لاعبين غافلين . وهل هذه العقوبة والعذاب على من تمّ عليه الحجّة ، وسمع الدعوة والإنذار والتحذير ، واستكبر عنها وأدبر ؟ أو هي عامّة شاملة لجميع أهل الأرض ؟ الظّاهر هو الثاني . في كتاب كمال الدين للصدوق ( ره ) 213 - 220 ، بإسناده إلى محمّد بن الفضل ، عن أبي حمزة الثماليّ ، عن أبي جعفر - عليه السّلام - حديث طويل فيه يقول - عليه السّلام - : « وكان بين آدم وبين نوح - عليهم السّلام - عشرة آباء كلّهم أنبياء اللّه . . . وإنّ الأنبياء بعثوا خاصّة وعامّة . فأمّا نوح ، فإنّه أرسل إلى من في الأرض بنبوّة عامّة ورسالة عامّة . » وحيث إنّ التذكرة ليست إلّا إرشادا وهداية إلى أمور وجدانيّة معلومة عند الناس وهم غافلون عنها ، فلا محالة لا يختصّ بعصر دون عصر ، ولا بقوم دون قوم ؛ بل تذكرة باقية ببقاء القرآن وسلطانه في العالم يقرؤون في القرآن هذه الحادثة الكبيرة ، ويتذكّرون موارد العبرة والاستبصار فيها . فهي بلاغ وتذكرة إلى